~| الــتــطـــبـــيـــع ، بين نظرة الماضي وواقع الحاضر |~

صورة

سلامـُ من الله عليكمـ ورحمةٌ منه وبركاتــ

أسعد الله أوقات الجميع بكل الخير ، وتحيةً عطرةً ، وبعد :

مرَّ  وقتٌ طويل مذ أن كتبت هنا لأخر مرة ،ولا بد من أن هنالك العديدَ العديدَ مما يُكتبُ عنه نظراً للظروف السائجة والاحداث المتسارعة فيما يُهمنا ويهمكم ، ولكنني آثرتُ اليوم أن ابدأ بهذا الموضوع والذي يتحدثُ عن التطبيع

منذ سنين ليست بالكثيرةِ ابداً ، كان مجرد الحديث عن التطبيع فيما بين العرب عموماً وفي المحيط الذي اعيش فيه خصوصاً مشابهاً او حتى مرادفاً للكفر والخروج عن المله ، فلقد كان خارج نطاق الطرح والمناقشة بأي شكلٍ من الأشكال ، وصحيحٌ بأن هنالك الكثير من الدول العربية  التي وقعت معاهدات سلامٍ مع الكيان الصهيوني ( وبالأخص دول الجوار الفلسطيني ) كالأردن ومصر ، ولكنها كانت اتفاقيات حكوماتٍ لم يرضَّ عنها الشارع ولم تُغير شيئاً من الشعور الشعبي والشخصي تجاه العدو الصهيوني والقضية الفلسطينيه .

هذا ما كنت اعرفه وما كنت اظنهُ قائماً حتى وقتٍ قصير ، ولكن يبدو بأنني كنت جاهلاً عمّا يدور من حولي او بالأحرى كنت لا زلت محتفظاً بفكرة أن ( لا للتطبيع ) هي من المسلمات التي يجب ألا التفت إليها إذ أن هنالك ما هو أهم من ذلك واعظم ، ولكن حادثةً قد تبدو بسيطةً لفتت انتباهي إلى هذا الموضوع .

كنت في زيارةٍ لأحد الأقارب في أحد الأيام ، كانت زيارةً اجتماعيةً بداعٍ من صلة الرحم وتفقد الاقرباء ، وبينما انا في ضيافتهم واثناء قيامهم بواجب الضيافة تجاهي قدموا فيما يُقدم المُضيف للضيف فاكهة تُسمى لدينا بالـ كاكا وتعرفُ أيضاً لدى البعض بــ القاقا أو الخرما وعموماً التسمية ليست فحوى الحديث ، ولا أخفيكم بأنني أحب هذا النوع من الفاكهه ، المهم بأنني تناولت حبةً لأتناولها وبينما هي في يدي لاحظت وجود ملصقٍ صغيرٍ عليها ، وعندما تفحصته وجدت بأن ما هو مكتوبٌ عليه هو من إنتاج إسرائيل !!

 

تفاجأتُ حينها مما وجدت ، تناولت حبةً اخرى ووجدتُ المثل وكذا لأخرى وأخرى وأخرى ، فلما رأني مضيفي استغرب مما افعل وتساءل عما بي ، فأجبته قائلا :

– ألم تلاحظ بأن هذه الفاكهة ( إسرائيليه ) ؟!

فأجاب

– نعم ، وماذا في ذلك 

فأردفت وقد زاد استغرابي 

– يبدو بأنك لم تسمعني جيداً ، ألم تلاحظ بأن هذه الفاكهة ( إسرائيلية مع التشديد على الكلمة هذه المره ) حين قمت بشرائها ؟!

فأجاب مستنكراً 

– نعم لاحظت ، كل ( الكاكا ) الموجودة في السوق الأن اسرائيليه ، وقد طلبها مني الاولاد فاشتريتها لهم كما قد يفعل أي أبٍ حين يطلب منه اولاده ان يجلب لهم شيئاً ، وكذلك فإن هنالك الكثير من الانواع الاخرى التي تباع في الاسواق من انتاج ( اسرائيل ) كالموز والفراوله

فقلت 

– ولكنها يا عم ( إسرائيليه ) !

منذ متى والاسواق عندنا تجلب بضاعتهم وتبيعها علنا ً ، كنتُ اعرف بأنه قبل عامين تم اكتشاف هذه الاًصناف في الأسواق تحمل ملصقاتٍ مكتوب ٌ عليها ( منتجات لبنان ) وتم تحذير الناس منها لمقاطعتها وعدم الانخداع بها ، فكيف بها تباع اليوم في الاسواق حاملةً ملصقاً واضحاً وصريحاً بأنها من انتاج  ( إسرائيل ) ولم اسمع جلبةً كتلك التي حدثت بهذا الشأن على الإطلاق !

فقال

– قد أصبح هذا الامر عادياً الأن ولم يعد احدُ يهتم ، فالمنتجات الإسرائيلية ارخصُ سعراً واعلى جوده وهي في متناول الجميع ، دعك من هذه الأفكار البالية فلم يعد أحدُ يفكر بهذه الطريقة الأن ، ودع الأطفال يأكلون ما يشتهون وتناول منها ما تريدُ كذلك ( فلن تَهدم الأقصى ان تناولت حبةً من الكاكا) والجملةُ الأخيرةُ قالها بنبرةٍ ساخرة ، للأسف .

فقلت 

-يا عم ، ولكننا في نهاية الامر فلسطينيون ، إذا ما كنا نحنُ نفعل ذلك فكيف بنا اذن نطالب العالم بالتعاطف والتضامن وعدم دعم الكيان الصهيوني عن طريق مقاطعة منتجاته وذلك اضعفُ الإيمان تجاه قضيتنا 

فأجاب بسخرية أكبر

– أوليست الأرض التي تُزرع فيها هذه الفاكهة وتُحصدُ منها هي جزءٌ مما تسميه ( فلسطين ) ، إذن في نهاية الأمر أنت تأكل من ثمار بلادك !!

إن هذا الحوار الذي دار بين مُضيفٍ وضيفه قد يبدو للبعض بسيطاً وعادياً ، او حتى سخيفاً للبعض الأخر ، ولكنني أرى بأنه يُعبرُ عن حالةٍ جديدةً وصلنا إليها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والموقف من العدو الصهيوني والتعامل معه ، ولعلنا جميعاً نتذكر القمة العربية في خرطومِ السودان والتي اشتهرت بما يُسمى ( اللاءات الثلاث ) والتي كانت عبارةً عن تمثيلً لحال الشارع العربي آنذاك ( لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض ) وكيف كان الحديث عن اي تعاونٍ مع أي صهيونيٍ بأي شكلٍ من الأشكال مرفوضاً رفضاً قاطعاً كما وضحتُ في بداية الحديث ، ولكننا اليوم نرى بأن البائعين المتجولين وأصحاب ( البسطات ) وحتى المحلات بدأت بعرض المنتجات الاسرائيلية بشكلٍ علني ودونما حرجٍ أو خوفٍ أو أي شكلٍ من أشكال الاحساس بالذنب أو الخطأ ، وانني لأدرك جيداً بأن التعاون الاقتصادي بين الاردن واسرائيل كان جزءاً من معاهدة السلام الموقعة بين الطرفين ولكنني ادركُ في نفس الوقت بأن هذا كان مرفوضاً رفضاً قاطعاً على مستوى الشارع والشعب وبخاصةٍ في الأردن حيث أن نصف سكان المملكة هم من الفلسطينيين ، ولكن الملاحظ الأن بأن التفكير في القضية الفلسطينية وبالصراع العربي الاسرائيلي بات يحتلُ مرتبةً متأخرةً جداً في وجدان الناس حتى لدرجة بأننا لم نعد نستغني عن تناول ( الكاكا ) والتي ليست من مقومات الحياة الرئيسية او ما شابه لنلتمس لمن يزدردها عذراً بأنه مضطر من أجل نصرةِ القضية الفلسطينية ولو بأضعف الإيمان .

الطريفُ في الأمر ، بأنني وفي يوم ذكرى النكبة الذي وافق 15-5-2013 نزلت إلى الأسواق وتجولت بها لبعض الوقت ، فلاحظت وجود هذه الفاكهة وغيرها من منتجات اسرائيل في كل مكان كما ولاحظت اقبال الناس عليها نظراً لثمنها المعقول ، وقد دار لي بأن أقترب من احد الباعة وان اتظاهر بتفحص الفاكهة والسؤال عن ثمنها والتظاهر بأنني تفاجأت حين وجدت الملصق الذي يقول ( من انتاج اسرائيل ) عليها ، فقلت له بأن يا رجل هذه الفاكهة اسرائيليه فضحك مني وقال كل ما في السوق من هذه الفاكهة الأن اسرائيلي والكل يعلم هذا ، فسألته من أين هو فأخبرني بأنه من اللد وهي احدى محافظات فلسطين ، فقلت وهل تعرف ما هي المناسبة التي يحملها هذا اليوم ففكر ملياً وقال لا اعلم ، لربما عيدُ الشجره !!! فقلت لا يا رجل إنها ذكرى النكبة الفلسطينيه ( او ذكرى الـ 48 ) كما هو معروفٍ بيننا ، فضحك وقال يا رجل الكاكا الإسرائيليه هي رزقي ، والنكبة الفلسطينية لن تعطيني قرشاً ، فدعني ( أسترزق ) !!

هي مشاهداتٌ قد تبدو عاديةً بالنسبة للبعض أو سخيفةً للبعض الأخر كما ذكرت سابقاً ، ولكنها بالنسبة إلى تدلُ على تحولٍ عظيم في مدى مبالاة الشارع لدينا بالقضية الفلسطينية مقارنةً بما كنا عليه قبل اعوامٍ قليله ، فقد وصلت تلك المبالاةُ مرحلة اللامبالاة وبكل أسف .

وللعلم فقط ، فإن مستوردات الاردن من المنتجات الاسرائيلية تفوق صادراته باضعاف ، مما يجعل من الجدوى الاقتصادية للتبادل بين الاردن والكيان الصهيوني سلبياً بالنسبة للأردن حيث فاقم هذا الوضع العجز في الميزان التجاري وجعل الخبراء الاقتصاديين يبحثون عن بدائل ليس بسبب القضية او المقاطعة او ما شابه ، ولكن بسبب الجدوى الاقتصادية المعدومة من علاقةٍ بهذا الشكل .

دمتم بخير

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s