~| تــســيــيــسُ الـريــاضـه ،، وتــرويــضُ الـســيــاسـه |~

سلامـُ من الله عليكمــ ورحمةٌ منه وبركاتــ


أسعد الله أوقاتكم بكل الخير والمحبة أجمعين ، وأعتذر مجدداً على قلة التواصل ولكن عارضاً مرضياً ألم بي حال بيني وبين ذلك ، اسأل الله لكم طول الصحة والعمر والعافيه ..


لست من محبي جلد الذات ولا من مشجعي تقريع النفس ، لذا واثناء بحثي المضني عن شيءٍ واحدٍ يجعل أمة العرب مجتمعةً على شيءٍ واحد حتى أكون من ضمن قائمة المتفائلين بهكذا أمه وجدت أن أفرادها يجتمعون فعلاً في نهاية الأمر في عددٍ من الأمور ، من بينها السذاجة و كرة القدم !!!

ففي عصر الإنحطاط و الإنهزامية التي تعيشه هذه الأمة ، أضحت شعوبها تبحثُ عن اي انتصارٍ يعيد لها بعضاً من نشوة الإنتصارات التي كان يعيشها السلف الماضي ، وعوضاً عن أن تبحث عنه في ميادين الجهاد و الإنجازات العلمية و العمليه ،فإنها وبكل أسفٍ بحثت عن هكذا انتصاراتٍ في ذاك المستطيل المعشوشب الأخضر بين أقدام اللاعبين و هتافات المشجعين ..

وليس في حب الرياضة ومتابعة مباريات كرة القدم بحد ذاته ما يعيب ، ولكننا و بكل فخرٍ جعلنا من ذلك كذلك بالنسبة إلينا ، فلقد تمادينا وجداً في تعلقنا بهذه اللعبة ومجرياتها ونتاجاتها ، فأضحت المنتخبات العربية بمثابة الجيوش لجماهيرها ، واصبحت مبارياتها جهاداً وانتصاراتها فتوحات ، أما إن انتصر فريقٌ ما على فريقنا ، فذلك بمثابة إعلان الحرب من طرفه علينا ، وإعتبار الطرف الأخر عدونا بطبيعة الحال ،مما يستوجب منا الإستعداد و التحضير للرد ،سواءٌ بالتحضير النفسي و الإعلامي وبالدعم المادي و المعنوي لجيشنا – عفواً لمنتخبنا – الباسل ، وشن الحملات الإعلامية على كل النطاقات واوسعها على جيش العدو – او المنتخب الخصم – حيث أن للحرب النفسية دورٌ مهم في المعارك كما تعلمون ، هذا بالإضافة إلى رفع الأعلام في الشوارع وترديد الهتافات و الأناشيد الوطنية لتدب الحماسة في نفوس أشاوسنا البواسل ، ولا ننسى كذلك التضرع إلى العلي القدير بنصرٍ منه وفتحٍ قريب !!


ولقد نجح الساسة حفظهم الله في تسييس الرياضة فيما يتناسب و مصالحهم الخاصة التي تضمن لهم إنشغال الشعوب بما يجري على أرضية الملعب وإنحصار اهتمامهم في إطار ذلك المستطيل الأخضر فقط لا غير ، مما يتيح لهم التحكم بهذه الشعوب كما يتحكم اولئك الذين ترقبهم الشعوب بكل شغفٍ بتلك الكرة باقدامهم ، وبينما نتسمتع نحن بتلاعب اللاعبين بكرة القدم ، يستمتع الساسة و اصحاب القرار بالتلاعب بكرة الشعب او بشعب القدم أيهما أصلح ، فنحن لنا كرتنا وفي نفس الوقت نؤدي دور الكرة لهم بكل انصياعٍ وسلاسه ..

ألح علي بعض الاصدقاء للذهاب معهم إلى الملعب لمشاهدة مباراةٍ بين أفضل فريقين في الساحه ، وبما أنني لم أدخل ملعباً من قبل فلقد قررت أن اختبر اجواء المباريات بشكلٍ حي ولو لمرةٍ واحده ، ولمّا وصلنا إلى الملعب رأيت خلقاً كثيراً و جمعاً غفيراً مما اثار تعجبي واستغرابي ، فليس من عادتنا الإجتماع والتجمهر كعربٍ إلا لجلل ، فحمدت الله في لحظة غفلةٍ و خيالٍ مني على أن رزقني نعمة الحج صغيرا ،ولكن ما أعرفه أن الكعبة كما أراها في الصور على شكل بناءٍ مكعب يكتسي السواد وليست بمسطحٍ مستطيلٍ يكتسي الأخضر لونا ، وأنه يفترض بنا في الحج التهليل و التكبير وليس التلفظ بما يُقال وبما لا يُقال ، وبينما أنا مستغرقُ في أحلام يقظتي إذ جاءتني لكزةٌ من أحد المتحمسين لتنتشلني من الخيال الذي سرحت فيه وتعيدني إلى أرض الواقع ، لأدرك من جديدٍ أنني في ملعبٍ عربي أشاهد مباراةً بين فريقين عربيين !!!

وكانت صافرة البدايه ، ويبدو أن الجمهور الذي كنت بينه ظنّ بأنه المعني بهذه الصافره ، فبمجرد انطلاقها بدأت سيول الشتائم تنحدر من كل حدبٍ و صوب ، وانطلقت معها المناوشات الفردية في كل جانبٍ من جوانب الملعب ، فعلى جانبي شخصان يتراشقان عبارات الهجاء المتداولة بين العامة في الشوارع ، وعلى الجانب الأخر تطورت الأمور بين إثنين أخرين إلى عراكٍ بالأيدي والأقدام ، أما ذاك الصبي الهزيل المسكين الذي سولت له نفسه الوقوف لبرهةٍ أثناء المباراه فلقد انهال عليه الكثيرُ من الكثير، فالقريب منه ضرب ، والبعيد عنه ساهم باللعن و الشتم ، هذا ناهيك عن رجمه بكل ما في متناول اليد من أشياءٍ يمكن رميها مهما كانت ، مما كاد يعيدني إلى خيال الحج من جديد وإلى فترة رمي الجمرات تحديداً ، ولكنني غالبت خيالي هذه المرة وبقيت متيقظاً لما حولي لكي لا يكون مصيري كمصير ذاك المسكين ، وكانت هذه هي تجربتي الأولى في ملاعب كرة القدم العربيه والتي خرجت منها بقناعةٍ واحدةٍ أكيده ، ألا وهي أنها ستكون أيضاً تجربتي الأخيره ..

والقصد من رواية هذه القصة هو إستخلاص آثار كرة القدم على شعوبنا العربيه ، فهي أولاً سببٌ رئيسي من أسباب اتساع فجوة التفرق و العداء بين هذه الشعوب وتذكية روح القومية الوطنيه و العنصرية بين شعوب العرب ، بل وحتى بين أبناء الشعب العربي الواحد ، كما هو الحال في مصر مثلاً فيما يخص الأهلي و الزمالك ، أو النصر و الهلال في السعوديه ، أو الوحدات و الفيصلي في الأردن ، والأمثلة في هذا الشأن بعدد الدول العربية جميعاً ، حيثُ جُعل لكل قطرٍ قطبان كرويان يتنافسان دوماً على القمة مع بقية الفرق الأخرى لكي ينقسم الشعب إلى قسمين وثلاثة والف ما بين مشجع لهذا ومشجعٍ لذاك ، ولا ينحصر الإختلاف بين المشجعين على الفرق التي يشجعونها فحسب بل يتسع ليشمل شتى المجالات الأخرى ، واذكر ُ أنني حضرت حواراً سياسياً محتدماً بين شخصين مصريين ، وبينما كان الأول يشرح وجهة نظره التي لم تعجب زميله قاطعه سائلاً ( أنت زملكاوي ولا أهلاوي ؟ ) ولما أجابه بأنه ” زملكاوي ” هز رأسه مبتسماً كالمنتصر وقال ( كنت عارف ) ، حيث وكأنه قد نقض نظرية خصمه نهائياً لا بناءاً على الواقع و المنطق ، بل بناءاً على توجهات الخصم الكروية والتي تناقض توجهه الشخصي ..!!

وبما اننا تطرقنا في الحديث إلى مصر و المصريين ، فإنني أشهد لمبارك بالدهاء والمكر فيما يتعلق باستغلال الرياضة عموماً و كرة القدم خصوصاً فيما يخدم مصلحته ويضمن له مع بقية العوامل الأخرى إستمرارية جلوسه على عرشه ، فبينما يتلوى الشعب المصري من الجوع و الفاقة ويذهب منهم من يذهب شهيداً لطوابير الخبز و قطارات الأرياف و الإنهيارات الطينية في الأحياء الشعبية الفقيره تجد أن الشعب كله يهب من أجل مباراةً للمنتخب المصري مع منتخبٍ أخر ، وتجد أن التغطية الإعلامية المرافقة لأية مباراةٍ للمنتخب المصري هائلةٌ وضخمه وعلى مستوىً عالٍ من التنسيق و التحضير ، حتى ينجر الشعب وراء هذا المنتخب باحثاً وإياه عن الفوز و الإنتصارات ، مثنياً عليه و متهكماً على خصمه في حالة فوزه ، ساخطاً عليه و لاعناً غريمه في حالة خسارته ، في حين ينسى أو يتناسى هذا الشعب كل ما يعتريه من آلامٍ ويعانيه من أهوال في ظل النظام المصري الحاكم ، وقد بلغ هذا الأمر ذروته عقب مباريات مصر و الجزائر في تصفيات كأس العالم قبل فترةٍ ليست بالبعيده ، حيث استغل الحاكم المصري المباراة بشكلٍ ماكرٍ من أجل تمهيد الطريق أمام إبنه جمال مبارك من أجل توريثه للحكم ، فلقد ظهر جمال مبارك والذي كان منبوذاً من الشعب جراء فضائحه السابقة فجأةً كبطلٍ على الساحة حيث كان يتحدث بحزمٍ و شده مهدداً ومتوعداً كل من تسول له نفسه ( مهاجمة مصر والإساءة إليها ) فيما اتفق وذاك الوقت مع لسان حال الشعب الذي انطلت على معظمه حيل وسائل الإعلام المتعدده في تهويل موضوع الخسارة وردة فعل الجزائرين وأفعالهم عقب كل مباراه ، وعني شخصياً فإنني أشك أن كل ما حدث فيما يتعلق بمباريات مصر والجزائر الثلاث كان مخططاً له بشكل ٍ كاملٍ ولم يجر من قبيل المصادفة البته ، وقد يرى المرء في ذلك مبالغةً مني واتجاهاً نحو نظرية المؤامره ، ولكن وكما قال ابن أبي سلمى


سـَتـُبـدي لك الأيــامُ مـا كـُنت جاهلاً ،،، ويــأتيـك بالأخبارِ من لم تـُـكــلفِ



ودمتم على الخير

Advertisements

One thought on “~| تــســيــيــسُ الـريــاضـه ،، وتــرويــضُ الـســيــاسـه |~

  1. سلام الله و الرحمة و البركة عليك اخي العزيز

    الرياضة و ما أدراك مالرياضة, شاب منها الكبير, و على الخطى يشب الصغير

    هناك مثل قديم يقول.. بين حانا و مانا ضاعت لحانا

    و المقصود منه ان المواطن العربي ضاعت حياته بين السياسة و الرياضة, فلا له في الأول رأي, و لا عنده في الثاني حول !!!!

    فبعد أن تحكم القياصرة بمجريات السياسة تاركين المواطن خالي الوفاض لا ناقة له في الأمر و لا جمل, أصبحت الرياضة مصدر فش الخلق لديه, فلا تعجب مما تراه, فما هي الا الطريقة الوحيدة لإخراج غيظ الصدر و معتمل القلب

    الأمر ليس فقط في العالم العربي بل و في الغربي أيضا

    ففي إنجلترا مثلا يتجالد مانشستر و أرسنال, و إنجلترا هذه دولة ديموقراطية!!, فمالسر !!

    الخلاصة ياعزيزي.. أبدع حكامنا في التسييس حد الخيال, و مزجوا حب الرياضة بسمَ التعصب و التحيز, و إني أراهم كنيرون و أكثر, و قريبا ستحرق البلاد عن بكرة أبيها فالله المستعان

    مبدع دوما

    كن بخير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s