~|حياةُ عرفات |~

arafattimeline

سلامٌ من الله عليكم ورحمةٌ منه وبركات


أسعد الله أوقاتكم بكل الخير والمحبة أجمعين ، وتحيةً طيبةً عطرةً ، وبعد :

سنبدأ بالحديث عن بعض الشخصيات التي كان لها الأثرُ والدور في الساحة الفلسطينيه ،  ولا نستطيع بطبيعة الحال أن نتحدث عن الساحة الفلسطينية في العصر الحديث وفي عهد ما بعد النكبة من دون الحديث عن هذا الرجل الذي كان له حضورٌ كبير فيها ، وقد اختلف الكثيرون بين حب الرجل أو بغضه ، ولكن الجميع يتفق بلا شك على دوره وحضوره الكبيرين في مسرح أحداث الساحة الفلسطينيه ، لذا آثرنا ان نبدأ حديثنا حول الشخصيات التي كان لها تأثيرٌ ودورٌ في فلسطين عنه ، وهذا الرجل هو بلا شك

.

.

يــــاســر عــرفـــات

.

.

ياسر عرفات هو الإسم الذي إختاره محمد عبد الرحمن عبد الرؤوف القدوه الحسيني لنفسه ، إحياءاً لذكرى مناضلٍ فلسطيني إستشهد وهو يقاوم الإنتداب البريطاني ، و أبو عمار كانت الكنية التي إختار أن ينادى بها بين رفاقه وأقرانه كذلك ، ومكان ولادته محل خلافٍ بين فريقين إثنين ، فالرجل يقول بأنه من مواليد القدس في شهر آب لعام 1929 ، بينما يقول بعض المتتبعين لحياته بأنه من مواليد القاهرة لنفس الشهر من نفس العام، ولكن وعلى الأقل تاريخ ميلاده متفقٌ عليه …

b0411525427

كان ياسر عرفات طالباً في كلية الهندسة بمصر وتحديداً في جامعة القاهره ، وهنالك بدأ إنخراطه في الحياة السياسية وفي الصراع العربي الإسرائيلي ، فقد ساهم في عام 1952 في تأسيس رابطة الطلبة الفلسطينيين في مصر ، وتولى رئاسة رابطة الخريجين الفلسطينيين بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار بقيادة عبد الناصر وزملاؤه في تولي زمام الأمور في مصر في نفس العام كذلك ، وبعد عامٍ على هذا التاريخ أي في عام 1953 أرسل عرفات خطاباً إلى اللواء محمد نجيب اول رئيسٍ لمصر بعد إلغاء الملكية حمل 3 كلماتٍ فقط وهي ” لا تنس فلسطين ” ويقال بأن عرفات قد خط هذه الكلمات الثلاثة بدمائه ، حيث كان عرفات منضماً إلى حركة الكفاح المسلح بعد نكبة عام 1948 وإعلان الدولة الإسرائيلية على أكثر من 70% من مساحة أرض فلسطين التاريخيه ، وجديرٌ بالذكر بأن عرفات إنجذب بالبداية إلى جماعة الإخوان المسلمين ولكنه سرعان ما تركها حيث أراد الإنضمام لرفاق السلاح والنضال في الميادين …

إنضم ياسر عرفات للجيش المصري وشارك في التصدي للعدوان الثلاثي على مصر في حرب السويس عام 1956 ، ومُنح رتبة ملازم من الجيش المصري بعد إنتهاء الحرب ، وبعد ذلك إتجه عرفات للعمل كمهندسٍ معماريٍ في الكويت ، وهنالك قام مع مجموعةٍ من رفاقة بتأسيس النواة الأولى لحركة التحرير الفلسطينية فتح ) ، والتي تبنت الكفاح المسلح والنضال كوسيلةٍ وحيدةٍ لتحرير الأراضي الفلسطينية المحتله ، وكان من أبرز رفاقه الذين قاموا بتأسيس هذه الخلية معه صلاح خلفأبو إياد ” و خليل الوزيرأبو جهاد ” ، وتبين بعد ذلك بأن عرفات قد قام بجمع عددٍ من البنادق و الذخائر من الصحاري المصرية من مخلفات الحرب العالمية الثانية لتسليح مجموعته ، وقد كانت أول عمليةٍ تنفذها حركة فتح ضد الإحتلال في الأراضي الفلسطينية عام 1964 عندما حاولت مجموعةٌ مسلحةٌ من عناصر فتح تفجير محطةٍ مائيةٍ إسرائيليه ، وقد قام ياسر عرفات بتسليم بيان تبني العملية من قبل الحركة بنفسه إلى مقر جريدة النهار اللبنانيه

وفي ذات العام تم تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية رسمياً برعايةٍ مصريه ، وتم إعلان الميثاق الوطني للحركة والذي إعتمد الكفاح المسلح و رفض قيام دولة إسرائيل أو الإعتراف بها ، وإن كان ذلك قد تغير بعد ما يقارب العشرين عاماً حين أصبح الهدف هو قيام دولةٍ فلسطينيةٍ علمانيةٍ في الضفة و قطاع غزه ، وان تكون عاصمتها القدس …!!

لمع نجم عرفات كثائرٍ على الإحتلال لدى الفلسطينيين وبخاصةٍ في الأردن التي كانت تحتوي العدد الأكبر من المهجرين و اللاجئين الذين أُخرجوا من ديارهم بفعل الإحتلال ، واستغل عرفات هذا الوضع وبدأ بتجنيد الشباب في قوات فتح والتي عُرفت بإسم ” العاصفه ” وتنفيذ عملياتٍ فدائيه داخل الحدود الإسرائيلية عبر التسلل من الحدود الأردنيه ، كما كانت تقوم بتنفيذ العمليات من جنوب لبنان ومن قطاع غزه الذي كان خاضعاً للحكم المصري آنذاك ، وقد دفع هذا العمل إسرائيل إلى مهاجمة الأردن بعد نكسة عام 1967 بغرض إحتلال جبال السلط وجعلها ” جولان ” جديده ، والقضاء على التنظيمات الفلسطينية في الأردن كذلك ، وكان أن تصدت التنظيمات الفلسطينية لهذا الهجوم جنباً إلى جنب مع قوات الجيش الأردني فيما عُرف بعد ذاك بمعركة الكرامه والتي وقعت في عام 1968 ، وقد رفع هذا المعنويات الفلسطينية و العربية عموماً بعد الهزائم المتتالية والكبيرة التي مُنيّ بها العرب من قبل إسرائيل في المعارك التي سبقت موقعة الكرامه ، وكان أن إزدادت شهرة عرفات وذاع صيته وأُنتخب بعد عامٍ واحد كــ رئيسٍ للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أسستها جامعة الدول العربيه

وفي عام 1970 قامت عناصر حركة فتح بإختطاف طائراتٍ امريكيةٍ و بريطانيه من مطاراتٍ في الأردن و البحرين و القاهره ونقلها إلى أحد المطارات في صحراء الأردن وتفجيرها هناك بطريقةٍ دراماتيكيةٍ امام وسائل الإعلام بعد إخلائها من ركابها كلفت نظرٍ للعالم للقضية الفلسطينية وللمقاومة كذلك ، فكان ذلك المسمار الأخير في نعش العلاقات بين فصائل المقاومة و الحكومة الأردنيه المضطربة مسبقاً بسبب ماعدته الحكومة الأردنية إنتهاكاً لسيادتها على أرضها من ممارسات الفصائل ، فقام الحسين بن طلال بإعلان الأحكام العرفية وشن الجيش الأردني هجماتٍ واسعةً على مختلف الفصائل في كل الأماكن وحتى المخيمات كمخيم الوحدات و الأشرفيه ،وحاولت دولٌ عربيةٌ كثيرة ردع الأردن و جيشه عما يقوم به من هجماتٍ على الفصائل ولكن وساطتها لم تفلح إذ أن الجيش سيطر على الأمور في المملكة وبدا عازماً على التخلص من الفصائل وإن وصل به الحال إلى إبادتها ، وقاتل بطريقةٍ شرسةٍ كما لم يفعل من قبل مع العدو الصهيوني نفسه ، وكان ان تدخلت سوريا وأرسلت قوةً مدرعةً إلى شمال الأردن لدعم الفصائل ومنع الجيش الأردني من إرتكاب مجزرةٍ في حق الفلسطينيين هناك ، وأوعز الحسين بن طلال إلى أمريكا و إسرائيل بطلب المساعدة  “ بأية طريقةٍ ممكنه ” ، فما كان من الولايات المتحدة إلا أن دعمت الهجمات الأردنيه ، ومن إسرائيل أن قامت بغاراتٍ وهميه على الحدود السورية مما دفع السوريين إلى الإنسحاب المتسارع خوفاً من الإشتباك مع إسرائيل ، واستطاعت مصر بعد ذلك تهريب عرفات إلى القاهرة سراً وبشق الأنفس ، وخرجت المقاومة من الأردن لتستقر في لبنان ، وعرفت هذه الحقبة لدى العرب بــ أيلول الأسود ، وقد حضر ياسر عرفات القمة العربية المنعقدة في مصر بعد هذه الأحداث وكانت المرة الأولى التي يتم تسليط الأضواء عليه كممثلٍ للشعب الفلسطيني وأحد أبطال الكفاح العربي ، وقد جرب تسويةٌ بين الحسين و عرفات في هذه القمة كذلك …

في القمة العربية التاليه والمنعقدة في الرباط عام 1974 أعلنت جامعة الدول العربية أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني ، وبعدها ، إتجه عرفات إلى الأمم المتحدة ووقف أمام الأعضاء قائلاً

لقد جئتكم بغصن الزيتون في يدي ، وببندقية الثائر في يدي ، فلا تُسقطوا الغصن الأخضر من يدي

وكان هذا بمثابة إعلانٍ لإستعدادٍ في تغيير اهداف الحركة من الكفاح المسلح فقط إلى الدبلوماسية و السياسة كذلك ، وهو ما دفع في نهاية الأمر حركة فتح و منظمة التحرير الفلسطينية للإعتراف بدولة إسرائيل والمطالبة بدولةٍ فلسطينيةٍ في الضفة و القطاع فقط بعد أن كان الهدف هو تحرير كامل الأرض أو ” فلسطين التاريخيه ” في بداية الأمر وانطلاقة الحركه ، ومُنحت منظمة التحرير الفلسطينية بعد هذا الخطاب صفة مراقبٍ في المنظمة الدولية للأمم المتحده ..

بعد ذلك ، بدأت العمليات الفلسطينيه تنطلقُ من الأراضي اللبنانية بعد خروج المقاومة من الأردن ، وقد نجحت المقاومة في توجيه ضرباتٍ موجعةٍ ومؤثرةٍ للصهاينة في فترة السبعينيات مما دفع إسرائيل للتحضير لهجومٍ عسكريٍ ضد المقاومة وضد لبنان ، وتُوج ذلك في النهاية بغزو بيروت في عام 1982 ، وقد صُدمت المقاومة كما اللبنانيون على حدٍ سواء بالموقف العربي من الهجوم الصهيوني على لبنان ، حيث تمت محاصرة عاصمةٍ عربيةٍ للمرة الأولى ولمدة عشرة أسابيع كامله من دون أي موقفٍ عربيٍ واضح ، مما دفع عرفات في النهاية إلى الموافقة على الخروج من لبنان بعد مقاومةٍ عنيفةٍ حقناً لدماء اللبنانيين و الفلسطينيين هناك من مقاومين و لاجئين كذلك ، وأبرم إتفاقاً يقوم بموجبه بالإنتقال إلى تونس تحت الحماية الدولية والتي كانت المعقل الأخير للمقاومة الفلسطينية قبل العودة لفلسطين حتى عام 1994 ، وجديرٌ بالذكر أن إسرائيل حاولت إغتيال عرفات في تونس عن طريق قصف مقره بالطائرات ، ولكنه لم يكن هنالك في ذلك الوقت .!!

إستغل عرفات قيام الإنتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987 حين دفع بالمجلس الوطني الفلسطيني لإعلان الدولة الفلسطينية مستفيداً من التعاطف الدولي في الدورة المعقودة في الجزائر وتطبيقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 242 ، ولكن هذا الإعلان كان يحمل في ثناياه الإعتراف ضمناً بإسرائيل وقبول التقسيم الدولي و حل الدولتين على أساس قيام الدولة الفلسطينية في أراضي الضفة الغربية و قطاع غزة فقط لا غير

لكن هذا الإعلان أُعتبر إستقلالاً من جانبٍ واحد لم تقبل به إسرائيل ومعظم دول العالم كذلك …

بعد ذلك ، وفي عام 1989 ، تم تكليف عرفات من قبل المجلس المركزي بقيادة الدولة الفلسطينيه ، وفي ذات العام إتجه عرفات إلى باريس في أول زيارةٍ دبلوماسيةٍ بعد إعلان الدوله ، وهناك أعلن عرفات بأن الميثاق الوطني الفلسطيني أصبح لاغياً ، وهو الميثاق الذي يتخذ المقاومة و النضال السبيل الوحيد للتحرير ويرفض قيام و وجود دولة إسرائيل ، وكان هذا هو الإعلان الصريح من قبل عرفات بدولة إسرائيل بعد الإعتراف الضمني المسبق ….

وفي عام 1990 قام صدام حسين وجيشه بإحتلال الكويت ، فإتخذ ياسر عرفات موقفاً فُسر على أنه مؤيدٌ لفعل صدام حسين ، مما إنعكس سلباً على العلاقات الفلسطينية العربيه وأدى إلى إيقاف الدعم الخليجي للمقاومة الفلسطينيه ولطرد ألاف الفلسطينيين من دول الخليج كتبعاتٍ لهذا الموقف من رئيس السلطة الوطنية الفلسطينيه

وفي عام 1991 ، إنقلبت سيارة عرفات عدة مرات على الطريق بين عمان و بغداد ، ولكنه نجا من هذا الحادث ، و تزوج بعد ذلك من مساعدته سهى الطويل ، وبعد شهرين من زواجه تحطمت الطائرة التي كانت تقله في الصحراء الليبية وقيل بأنه قُتل في ذلك الحادث ، ولكنه عاد للظهور بعد ساعاتٍ منه ، ولكن كل هذه الحوادث و محاولات الإغتيال أثرت على الرجل وادت إلى تدهور حالته الصحية و الجسديه ، فلقد أصيب بمرض الشلل الرعاشي و مرضٍ جلديٍ يدعى ” فتيليغو ” ، و نزيفٍ في الجمجمة و قرحةٍ في المعدةٍ و حصىً في المراره ، بالإضافةٍ إلى عددٍ من الإصابات و الرضوض الأخرى الناجمة عن كل ما تعرض له الرجل في حياته …

بعد إنتهاء حرب الخليج ، بدأت أمريكا المنتصرة بالعمل على ما سمته إحلال السلام في الشرق الأوسط عن طريق حل القضية الفلسطينيه ، وبدأ العمل الدبلوماسي لتنفيذ هذه الرغبة الأمريكيه ، واعلن عرفات في عام 1990 أنه يقوم بإتصالاتٍ سريةٍ مع قادةٍ و مسؤولين إسرائيليين ، وبعدها بعامٍ واحدٍ عُقد مؤتمرٌ للسلام في مدريد عاصمة إسبانيا برعاية الولايات المتحدة و الإتحاد السوفياتي قبل انهياره ، وتوجت هذه الجهود والتوجهات بإتفاقية أوسلو في عام 1993 والتي جرت بين إسحاق رابين الرئيس الإسرائيلي و ياسر عرفات برعايةٍ بيل كلينتون الرئيس الأمريكي ، تقضي بالسماح للسلطة الوطنية الفلسطينية بممارسة حقها في الحكم الذاتي على كلٍ من غزة و أريحا مقابل الإعتراف من السلطة الوطنية بإسرائيل ، وإن كانت هذه المفاوضات لم تعالج المشاكل الكبرى العالقة مثل قضية اللاجئين و القدس و بناء المستوطنات على أراضي الضفة الغربيه ، ولكن ، كان من نتيجة هذه المفاوضات وهذه الإتفاقية عودة عرفات إلى فلسطين وإلى غزة تحديداً بعد خروجه منها لأكثر من سبعةٍ وعشرين عاماً ، وفاز عرفات في نفس السنة بجائرة نوبل للسلام مع كلٍ من إسحق رابين و شمعون بيريز من الجانب الإسرائيلي

أقام عرفات مركز سلطته في غزه ، وقام بتأسيس الأجهزة الأمنية المختلفة و المؤسسات التابعة لسلطته الوطنيه ، وقام في عام 1995 بتوقيع إتفاقيةٍ مع إسحق رابين تقضي بإعادة إنتشار القوات الإسرائيلية في الضفة الغربيه ، وتم إثر ذلك إغتيال رابين على يد متطرفٍ إسرائيلي في ذات العام لتواجه عملية السلام مصاعب جمّه ، ولتنقض إسرائيل الكثير من البنود المتفق عليها بعد وفاة من وقع الإتفاقية في أوسلو .!!.

وفي عام 1996 تم إنتخاب عرفات كــ رئيسٍ للسلطة الوطنية الفلسطينية مجدداً ، وفي عام 1997 وقع مع بنيامين نتنياهو اتفاقية لتسلم معظم مدينة الخليل ، وفي عام 1998 وقع مع نتنياهو أيضاً على إتفاقية واي ريفر برعاية بيل كلينتون الرئيس الأمريكي وبحضور الملك حسين ، والتي نصت على إنسحابٍ إسرائيليٍ تدريجيٍ من أراضي الضفة الغربيه ، ولكن نتنياهو قام بتجميد الإتفاقية بحجة أن عرفات خالف شروطاً امنيةً مترتبةً عليه ، وفي عام 1999 وقع مع إيهود باراك إتفاقيةً في شرم الشيخ تحدد شهر سبتمر من عام 2000 كموعدٍ لإتفاقيةٍ نهائيةٍ تحل كل المشاكل العالقة بين الطرفين ..

ولكن ، وفي شهر تموز من عام 2000 وليس سبتمر ، إجتمع عرفات مع باراك برعاية أمريكا و كلينتون مجدداً في كامب ديفيد ، إلا أن المفاوضات فشلت جراء تعنت الإسرائيلين ورفض عرفات للتنازل عن القضايا الأساسية كقضية اللاجئين وقضية القدس ، مما سبب في وصول عملية السلام التي كان عرفات يطمح بالوصول إليها مع الإسرائيلين إلى طريقٍ مسدود ، وبنفس الوقت بدأ عرفات يفقد شعبيته في الأوساط الفلسطينية بسبب ملاحقة أجهزته الأمنية للمقاومين والإسلاميين كتبعاتٍ أوجبت عليه بموجب الإتفاقيات الموقعة مع الإسرائيليين ، وتزامن ذلك أيضاً مع ظهور الفساد في أجهزة الدولة وتراخي قبضة عرفات عن زمام الأمور كــ رئيسٍ للسلطة الوطنية الفلسطينيه

وبعدها ، إندلعت إنتفاضة الأقصى في التاسع والعشرين من شهر أيلول لذات العام إثر إقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي المتطرف آرييل شارون لباحة المسجد الأقصى المبارك ، لتشن إسرائيل بعدها في كانون الأول لعام 2001 أكبر إجتياحٍ للضفة الغربية منذ نكسة عام 1967 ، والتي وقعت أحداث مخيم جنين في أثناءها ، والتي أسفرت عن حصار مقر ياسر عرفات في رام الله ، وبعد تنفيذ عمليةٍ إستشهاديةٍ من قبل المقاومة في التاسع والعشرين من آذار لعام 2002 هوجم مقر ياسر عرفات بــ الدبابات و المدرعات ودُمر معظمه ولم يبقى إلا الجزء الذي يضم مكاتبه ، وإثر ذلك عاد عرفات إلى الواجهة سريعاً وحظي بتأييدٍ شعبيٍ هائل تمثل في المظاهرات و الإحتجاجات وحتى المواجهات ، وقد بقي على هذه الحال حتى تم رفع الحصار عنه في ليلة الثاني من آيار لنفس العام …

بعد ذلك بدأت الحال مع عرفات بالتدهور من جميع الجهات ، وبدأت آثار ذلك تظهرُ على صحته كذلك ، وتم إتخاذ قرارٍ مبدأي من قبل مجلس الوزراء الإسرائيلي بأبعاد عرفات عن أرض الوطن ولكن هذا القرار لم يُنفذ فعلاً ، ولكن تم عزل ياسر عرفات من قبل الأمريكيين و الإسرائيليين وإعتباره غير ذي صلةٍ بــ العلاقات و المباحثات و المفاوضات ، ورزح عرفات تحت ضغطٍ أمريكي للتخلي عن بعضٍ من سلطاته ، ومتأثراً بهذا الضغط قام بتعيين محمود عباس أمين سر حركة فتح كــ رئيسٍ للوزراء ، ولكن عرفات رفض التخلي عن سيطرته على الأجهزة الأمنية وهو ما كان يطمحُ إليه عباس لإستخدام هذه الأجهزة في إسترضاء أسياده عن طريق قمع الجهاد و المجاهدين كما يفعل الأن ، فقدم إستقالته وتم تعيين أحمد قريع بديلاً عنه …

وفي عام 2003 ،صادقت السلطة الوطنية على خطة خارطة الطريق ، ولكن إسرائيل رفضت تطبيق بنودها رغم تبنيها لها في بداية الأمر ، وفرضت عزلةً دوليةً على عرفات واعلنت أنها لن تستقبل أي مسؤولٍ يقوم بزيارة المنطقة إذا ما زار عرفات ، وبعد ذلك تم إنتخاب شارون لفترةٍ ثانيةٍ كرئيسٍ للوزراء ، وبدأ بتطبيق خطة فك الإرتباط أو ما يُعرف بــ جدار الفصل العنصري مع الضفة و القطاع من جانبٍ واحدٍ دون أي إتفاقٍ مع الفلسطينيين أو مع المجتمع الدولي الذي إعتبر هذا العمل عنصرياً وغير مشروع ، وبعد يومين من مصادقة الكنيست الإسرائيلي على هذا القرار ، تدهورت صحة عرفات وتم نقله إلى مستشفى بيرسي العسكري في باريس للعلاج ، ولكن ، وفي الساعة الرابعة والنصف فجراً في يوم الخميس الموافق للحادي عشر من شهر تشرين الثاني \ نوفمبر لعام 2004 ، اعلن المستشفى الفرنسي وفاة ياسر عرفات عن عمرٍ يناهز الـ 75 عاما

هذه كانت حياة ياسر عرفات وأبرز مراحلها ، ولقد تبين للرجل الخطأ الشديد الذي وقع فيه حين وثق بالإسرائيليين وتوقع منهم إحترام العهود و المواثيق وهم من وصفهم الله بأنهم ناقضوا عهده وميثاقه ، ولقد إنتهى عرفات بالنسبة لي وبالنسبة للكثيرين حين إعترف بدولة إسرائيل وقال بأن تحرير فلسطين التاريخية أضحى حلماً من ضرب الخيال ، وحين قام بإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني ، فلقد غير الرجل طريقه بعد أن اختار الكفاح و النضال كوسيلةٍ وحيدةٍ لتحرير فلسطين وهو السبيل الوحيد إلى ذلك فعلا ، وسلم نفسه إلى الإسرائيلين الذين تقاذفوه من مؤتمرٍ إلى إتفاقيةٍ ومن معاهدةٍ إلى مفاوضاتٍ عبثيةٍ لا طائل منها ولا فائده ، ولكن يُحسب للرجل تمسكه بالمباديء وعدم تنازله عنها حيث أنه كان مرناً لأبعد الحدود إلا فيها ، وهي قضايا القدس و اللاجئين و حق العوده ، و يُحسب له أيضاً جمعه للعمل السياسي مع العمل النضالي حيث كانت حركة فتح وجناحها العسكري العاصفة فاعلتين في الساحة الفلسطينية من حيث تنفيذ العمليات و المقاومة بشتى انواعها وهو ما انقرض الأن تماماً ، كما ويُحسب له أيضاً توحيد الصف الفلسطيني ما أمكن حيث أن الإنقسام الحاصل في الصفوف حالياً إنما حدث بعد وفاته ، كما وكان يُعجبني فيه شخصياً إعتزازه الدائم بالكوفية الفلسطينية وإرتداءها طوال الوقت مهما كان الظرف والمناسبة وآنى كان الشخصُ الذي يقابله ، حيث أنه من النادر جداً أن تجد صورةً لعرفات من دون الكوفية الفلسطينية حتى في اوائل فترة شبابه ..

أما مسألة كونه مناضلاً أو عميلا ، أو كونه شهيداً او قتيلا ، فتلك نتركها لمن هو أعلم بمكنونات العباد وخفايا نفوسهم ، ولمن عليه حسابهم و جزائهم ، ولا يسعنا في النهاية سوى أن نقول

فليرحم الله من يستحقُ الرحمه

دمتم بخير

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s